سلاح الفصائل بين الحسم والاحتواء)

(سلاح الفصائل بين الحسم والاحتواء)
لم يعد ملف السلاح خارج السيطرة المباشرة للدولة في العراق مجرد قضية أمنية مؤجلة، بل تحول إلى اختبار سياسي لمفهوم الدولة نفسه، ولقدرة الحكومة على إدارة التوازن بين مقتضيات السيادة وبين واقع سياسي وأمني تشكل على مدى سنوات. ومع تحديد الحكومة العراقية يوم 30 أيلول موعدًا نهائيًا لمعالجة ملف السلاح غير المنضبط، يجد رئيس الوزراء علي فالح الزيدي نفسه أمام واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا منذ توليه رئاسة الحكومة.
أكد رئيس الوزراء أن حكومته أحرزت تقدمًا في حصر السلاح، وربط ذلك بمبدأ احتكار الدولة للاستخدام الشرعي للقوة، تطبيقًا لفلسفة ماكس فيبر السياسية حيث عرف الدولة بانها الكيان الذي يحتكر حق الاستخدام المشروع للقوة. اكد الزيدي على أن السلاح الذي يبقى خارج الإطار القانوني بعد انتهاء المهلة المحددة سيخضع للمعالجة القانونية. من الناحية الدستورية، لا يمثل مبدأ حصر السلاح بيد الدولة فكرة جديدة أو مطلبًا مستحدثًا بفعل الضغوط السياسية. فالمادة التاسعة من الدستور العراقي تنص على خضوع القوات المسلحة لقيادة السلطة المدنية، وتحظر تكوين تشكيلات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة. لكن الفارق بين النص والممارسة الواقعية هو جوهر المشكلة. فالعراق استطاع وبعد سنوات من الصراع مع تنظيم داعش، أن يدمج جزءًا كبيرًا من القوة العسكرية التي تشكلت خلال الحرب ضمن مؤسسات الدولة، لكنه لم ينهِ بالكامل الإشكالية المتعلقة بتعدد مراكز القوة والسلاح والقرار. ولهذا فإن التحدي الحالي لا يتمثل في إعلان المبدأ لانه موجود اساسًا في نص قانوني صريح، وإنما في كيفية تطبيقه من دون أن يتحول مسار الإصلاح الأمني إلى أزمة سياسية أو صدام داخلي. ويبدو أن الحكومة تحاول الجمع بين مسارين متناقضين ظاهريًا وهما الضغط من أجل إنهاء حالة السلاح غير المنضبط، وتجنب مواجهة مباشرة مع قوى تمتلك نفوذًا يتجاوز المجال العسكري. وهذه المقاربة تبدو مفهومة بالنظر إلى طبيعة النظام السياسي العراقي. فالتشكيلات المسلحة ليست جميعها كيانات منفصلة عن العملية السياسية، بل إن بعضها يرتبط بأحزاب وكتل لها تمثيل برلماني ونفوذ داخل مؤسسات الدولة. وبالتالي فإن استخدام القوة لفرض نزع السلاح قد يفتح أزمة تتجاوز البعد الأمني لتصل إلى الحكومة والبرلمان والتحالفات السياسية. ان تاريخ 30 أيلول لا يمثل فقط تاريخًا إداريًا لتسليم السلاح، وإنما يمنح الحكومة مساحة زمنية للتفاوض وإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة وهذه القوى. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن بعض التشكيلات الرافضة لتسليم سلاحها طرحت فكرة تجميد الترسانة لمدة عامين بدلًا من تسليمها، إلا أن الحكومة رفضت هذا الخيار وتمسكت بموعدها النهائي الذي حددته مسبقًا. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الخلاف هنا لا يتعلق بالسلاح وحده، بل بتعريف معنى “حصر السلاح” هل يعني إخراجه فعليًا من التداول العسكري، أم يكفي تجميد استخدامه مؤقتًا؟
بالنسبة للحكومة، قبول التجميد قد يعني عمليًا تأجيل المشكلة بدل حلها، بينما ترى القوى الرافضة للتسليم أن التخلي الكامل عن قدراتها العسكرية في ظرف إقليمي مضطرب قد يتركها مكشوفة أمام احتمالات أمنية وسياسية غير محسوبة. الصراع هنا ليس على السلاح ذاته بل على من يملك حق استخدامه دفاعًا اوهجومًا.
وفي الوقت نفسه، يأتي تحديد 30 أيلول في سياق انتهاء مهمة التحالف الدولي، وهو ما يعطي الموعد دلالة سياسية تتجاوز مسألة السلاح نفسها. فلم يكن اختيار هذا التاريخ عبثًا، بل هو محاولة لربط السيادة العراقية الداخلية بالاستحقاق الخارجي. وقد أشارت الحكومة إلى أن نهاية مهمة التحالف تمثل بداية مرحلة جديدة في العلاقة مع الولايات المتحدة. لكن تفسير قرار حصر السلاح باعتباره استجابة مباشرة لضغط خارجي سيكون تبسيطًا للمشهد. فالحكومة العراقية لديها أيضًا دوافع داخلية كتقليل تعدد مراكز القرار الأمني، ومنع العراق من التحول إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية. وفي المقابل، فإن تجاهل العامل الخارجي سيكون غير واقعي أيضًا. فالعراق يقع في منطقة تتقاطع فيها المصالح الإيرانية والأمريكية والتركية وغيرها، وأي تحول في ميزان القوة الإقليمي ينعكس سريعًا على حسابات القوى العراقية. ربما لا تكمن صعوبة القرار في إعلان الحكومة رغبتها بحصر السلاح، وإنما في المرحلة التي ستأتي بعد انتهاء المهلة. كما لا ينبغي قراءة هذا القرار باعتباره مواجهة بين الحكومة وخصومها بقدر ما ينبغي النظر إليه باعتباره محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوة المسلحة في مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب.
المعادلة التي تواجه بغداد صعبة: الدولة تريد احتكار قرار استخدام القوة، بينما ترى بعض القوى أن الظروف الأمنية والإقليمية لا تسمح بالتخلي الكامل عن قدراتها العسكرية. ولهذا فإن نجاح علي الزيدي لن يتحدد بقدرته على إصدار قرار حاسم، بل بقدرته على تنفيذ هذا القرار دون دفع البلاد إلى مواجهة داخلية، ودون السماح في الوقت نفسه بتحويل المهلة إلى تأجيل جديد للمشكلة.
الكاتبة سارة الحسن .



إرسال التعليق