(العراق بين تحديات الداخل وتحولات الإقليم: نحو رؤية مستدامة للاستقرار)
هل
يشهد العراق في المرحلة الراهنة تداخلاً معقداً بين التحديات الداخلية والتحولات الإقليمية والدولية، ما يفرض ضرورة إعادة قراءة المشهد السياسي والاقتصادي وفق مقاربات حديثة تأخذ بنظر الاعتبار طبيعة المتغيرات المتسارعة. فالعراق، بحكم موقعه الجغرافي وثقله التاريخي، يبقى ساحة تفاعل بين قوى متعددة، الأمر الذي يجعل استقراره الداخلي مرتبطاً بشكل وثيق بتوازنات الإقليم.
على الصعيد الداخلي، ما زالت إشكالية بناء الدولة تمثل التحدي الأبرز، حيث تتقاطع ملفات الحوكمة، ومكافحة الفساد، وتعزيز سيادة القانون مع الحاجة إلى إصلاحات اقتصادية حقيقية تقلل من الاعتماد على الموارد الريعية، وفي مقدمتها النفط. إن استمرار الاقتصاد الريعي يضعف من قدرة الدولة على تحقيق تنمية مستدامة، ويجعلها عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، مما يستدعي تبني سياسات تنويع اقتصادي تستثمر في القطاعات الإنتاجية، كالصناعة والزراعة، إضافة إلى دعم القطاع الخاص.
أما على المستوى السياسي، فإن تعزيز المشاركة السياسية الفاعلة، خاصة للشباب والنساء، يمثل مدخلاً مهماً لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالديمقراطية لا تقتصر على العملية الانتخابية، بل تمتد إلى ضمان الشفافية، والمساءلة، وتكافؤ الفرص في الوصول إلى مراكز صنع القرار. ومن هنا، تبرز أهمية المبادرات المجتمعية ومنظمات المجتمع المدني في خلق مساحات للحوار والتأثير الإيجابي في السياسات العامة.
إقليمياً، يواجه العراق تحدياً في تحقيق التوازن في علاقاته الخارجية، إذ يسعى إلى تبني سياسة خارجية قائمة على مبدأ “تصفير الأزمات” والابتعاد عن سياسة المحاور. ويُعد هذا التوجه ضرورياً للحفاظ على سيادة القرار الوطني، وتقليل تأثير الصراعات الإقليمية على الداخل العراقي. كما أن الانفتاح على الشراكات الاقتصادية الإقليمية يمكن أن يشكل فرصة لتعزيز التنمية وتحقيق التكامل الاقتصادي.
دولياً، تتجه الأنظار إلى العراق بوصفه بلداً يمتلك إمكانيات كبيرة، لكنه يحتاج إلى استقرار سياسي وأمني مستدام لجذب الاستثمارات الأجنبية. وهنا، تلعب البيئة التشريعية دوراً محورياً في طمأنة المستثمرين، إلى جانب تطوير البنى التحتية وتحسين الخدمات الأساسية.
في ضوء ما تقدم، يمكن القول إن مستقبل العراق مرهون بقدرته على إدارة التحديات الداخلية بفعالية، بالتوازي مع بناء علاقات خارجية متوازنة تخدم مصالحه الوطنية. ويتطلب ذلك إرادة سياسية حقيقية، وإصلاحات مؤسسية عميقة، فضلاً عن دور فاعل للمجتمع في دعم مسارات التغيير.
إن الانتقال نحو الاستقرار المستدام لا يتحقق عبر الحلول المؤقتة، بل من خلال رؤية استراتيجية شاملة تضع الإنسان العراقي في صلب الأولويات، وتعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية، وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة، وبناء دولة قوية قادرة على مواجهة التحديات وصناعة الفرص.
الباحث علي مفتن العلوي



إرسال التعليق