(حين يكتشف أصحاب النفوذ معنى المواطنة)

(حين يكتشف أصحاب النفوذ معنى المواطنة)

 

لم يكن ما أثاره مقطع أبي عزرائيل موجة جدل عابرة على منصات التواصلخصوصاً في مقولته ( أني مو سني ولا مواطن )، بل كشفًا غير مقصود عنالآلية الفعلية التي يُدار بها العراق منذ سنة 2003: دولة ذات واجهة دستورية،تعمل تحتها شبكة موازية من النفوذ المسلح والحزبي، تحدد من يحصل علىحقه ومتى وبأي ثمن. المفارقة أن من كشف هذه الآلية هذه المرة لم يكن ناشطًاحقوقيًا أو ضحية تهجير مجهولة الهوية، بل أحد أعمدة تلك الشبكة نفسها.

 

حين يحتج شخص يمتلك حضورًا إعلاميًا واسعًا وارتباطًا مباشرًا بفصيلمسلح نافذ على منعه من الحصول على قطعة أرض، فإن الاحتجاج لا يُقرأكخلاف عقاري عادي، بل كصدام بين طبقتين من طبقات النفوذ المركب. طبقةاعتادت أن تفرض إرادتها، اصطدمت هذه المرة بطبقة أخرى أكثر تمكّنًا منهافي تلك اللحظة وذلك الملف بعينه. وما بدا احتجاجًا على “ظلم” هو في جوهرهاعتراف عابر، غير مقصود، بأن الحق في العراق لا يُنتزع بالقانون، بل بموازينالقوة؛ وأن من يخسر تلك الموازين، مهما علا شأنه، يجد نفسه فجأة في موقعالمواطن العادي الذي لم يكن يومًا صاحب امتياز.

 

هنا تكمن المفارقة الأعمق. فالآلاف من العراقيين الذين هُجّروا من أراضيهم، أوصودرت ممتلكاتهم تحت تهديد السلاح، أو اصطدموا بجدار العرقلةالبيروقراطية والحزبية حين حاولوا العودة إلى مناطقهم بعد سنوات الحرب،عبّروا عن الشكوى ذاتها بالضبط. غير أن أصواتهم لم تجد الطريق إلى نشرةإخبارية واحدة، ولا إلى تعاطف واسع، بل قوبلت غالبًا بالتشكيك في روايتهم،أو إغراقها في سجال طائفي وسياسي يُراد منه تفريغها من مضمونهاالحقوقي. اليوم، حين يصدر الاعتراض عن شخصية تنتمي إلى بيئة النفوذنفسها التي تُتَّهم عادة بإنتاج هذا النوع من الظلم، يتحول الملف فجأة إلىقضية رأي عام. وهذا وحده مؤشر كافٍ على أن معيار الاهتمام في العراق ليسحجم الظلم، بل موقع من يقع عليه الظلم من هرم النفوذ.

 

المشكلة، إذن، ليست في قطعة أرض واحدة، ولا حتى في شخص أبي عزرائيلبعينه. المشكلة أن الدولة العراقية، بعد أكثر من عقدين على التغيير، ما زالتعاجزة عن ترسيخ قاعدة بديهية في أي نظام يستحق وصف “الدولة”: أن الحقيُمنح بحكم القانون والمواطنة، لا بحكم السلاح أو القرب من مركز القرار. غيابهذه القاعدة لا يُنتج فقط ظلمًا يقع على الضعفاء، بل يُنتج أيضًا هذا النوع منالمشاهد المتناقضة، حيث يتحول القوي إلى ضحية بمجرد أن يواجه من هوأقوى منه. فحين تكون قواعد اللعبة هي الغلبة لا القانون، لا أحد محصّننهائيًا؛ التحصين مؤقت، ومرهون بدوام موازين القوة القائمة.

 

الأخطر من ذلك أن هذا النمط ليس استثناءً طارئًا، بل نتاج طبيعي لسنواتطويلة سُمح خلالها للفصائل المسلحة بالتغلغل داخل بنية الدولة ومؤسساتهاالاقتصادية والعقارية والأمنية، إلى درجة باتت فيها الحدود بين القرار الحكوميوالقرار الفصائلي غير واضحة في كثير من الملفات. حين تتشابك هذه البنىإلى هذا الحد، يصبح من الطبيعي أن تنشأ صراعات نفوذ داخلية بين أطرافالشبكة نفسها على الموارد والأراضي والعقود، بينما يبقى المواطن الذي لاينتمي إلى أي طرف من هذه الأطراف خارج المعادلة كليًا، لا يملك حتى فرصةالدخول في نزاع على حق هو أصلًا مكفول له دستوريًا.

 

من هنا فُهم تفاعل الشارع مع الحادثة، لا باعتباره تضامنًا مع طرف بعينه، بلباعتباره تنفيسًا عن إحساس متراكم بأن “الجميع يعرف” كيف تُدار الأمورفعليًا خلف واجهة الدولة. وهذا الإحساس، حين يتحول إلى قناعة عامة راسخة،يصبح أخطر على شرعية النظام السياسي من أي فضيحة فساد منفردة، لأنهيمس صلب العقد الذي يُفترض أن يربط المواطن بدولته: الثقة بأن القانون يُطبَّقعلى الجميع بالتساوي، لا بحسب من يملك السلاح ومن لا يملكه.

 

وإذا كان لا بد من درس يُستخلص من هذا المشهد، فهو أن معيار نجاح أينظام سياسي لا يُقاس بقدرته على حماية أصحاب النفوذ من بعضهم بعضًا،بل بقدرته على حماية المواطن الذي لا يملك خلفه فصيلًا ولا حزبًا ولا صفةإعلامية، ولا يمتلك سوى هويته العراقية. فحين يحتاج حتى القوي إلى التذكيربنفوذه ليحصل على حقه، يعني ذلك أن الدولة، بمعناها القانوني والمؤسسي، لمتعد قائمة أصلًا؛ ما هو قائم شبكة نفوذ متعددة الأطراف، تتغير فيها الأدواربين رابح وخاسر، لكنها لا تنتج في نهاية المطاف عدالة لأحد.

الباحث: عبدالله الذبان

إرسال التعليق