(فخ السلاح المُقنّن : كيف تُقوّض الفصائل عابرة الحدود القرار العراقي؟)

(فخ السلاح المُقنّن : كيف تُقوّض الفصائل عابرة الحدود القرار العراقي؟)

(فخ السلاح المُقنّن : كيف تُقوّض الفصائل عابرة الحدود القرار العراقي؟)

تمثل ظاهرة انتشار السلاح خارج إطار الدولة أعقد التحديات التي تواجهها الدولة العراقية منذ آب/أغسطس 1958. ولم يعد هذا السلاح مجرد أداة للانفلات الأمني، بل تحول إلى سلاحٍ مُقنّن بقانون داخلي ، ويخضع لاستثمارات سياسية عابرة للحدود الوطنية لتنفيذ أجندات إقليمية تحت غطاء ديني وعقائدي إن لزم الأمر.

والمعضلة الراهنة في العراق لا تكمن في تجييش أصحاب السلاح ، بل في ارتهان القرار السيادي والعسكري لهذه الفصائل والتنظيمات التي جعلت من جيوسياسية البلاد مسرحاً لإثبات النفوذ الإقليمي. وقد أنتج هذا الرهان وطناً يواجه نفسه على ساتر، ويواجه الدول التي تستغل وضعه على ساتر آخر.

كانت بداية نشأة هذه الفصائل عام 1958، وتحديداً بعد أيام قليلة من الإطاحة بالنظام الملكي وتأسيس ما يُسمى بـ “المقاومة الشعبية” الخاضعة لإيديولوجية يسارية؛ حيث خدمت هذه المقاومة عدة أهداف سياسية وأمنية فرضتها تلك الفترة، ومنها حماية النظام الجمهوري وتعبئة الشارع والمدنيين.

وفي عام 2014، أُعيدت صياغة هذا السيناريو بهيئة جديدة ، ولكن هذه المرة تحت غطاء ديني وعقائدي أُسس بموجبه “الحشد الشعبي”. تتكون هذه الهيئة من فصائل، بعضها يتبع القرار العراقي ، وبعضها الآخر أطلق العنان بتصريحته أنه يخضع لعقيدة عابرة بقرارها للحدود الوطنية.

تتلقى بعض فصائل هذه الهيئة الدعم الكامل من الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إطار غير رسمي. ولا ننسى أن إيران تبنت هذه المفاهيم العقائدية حديثاً تحت شعار “دعم العراق” أثناء فترة الانهيار الأمني عقب دخول عصابات “داعش” الإرهابية، كما لا ننسى أن بعض المواقف التاريخية للجمهورية الاسلامية الايرانية كانت خالية من الأفكار العقائدية وأنها استثمرت وضع العراق عام 2014 لصالحها؛ فأين كانت إيران عام 2004 أثناء حصار النجف الأشرف التي تُعد مركز المذهب؟

وهناك غطاء دعم خارجي وإقليمي تتلقاه بعض الفصائل من “حزب الله اللبناني” كذراع تدريبي واستشاري، إضافة إلى الغطاء الديني والتوجيهي وتوظيف الرموز الدينية وإسباغ الصبغة الدينية على بعض الأشخاص لإضفاء الشرعية على التجنيد وجعلها أموراً دينية غير قابلة للنقاش.

هذا السلاح الأجير حوّل العراق إلى عازل حماية؛ فتارةً كان عمقاً استراتيجياً للضرب ، وتارةً كان منصة للتفاوض الإقليمي. أدى ذلك إلى ارتهان قرار السيادة العراقية وجعلها مقوَّضة وغير قابلة لإصدار قرار عراقي حصري وداخلي، مع إدامة ضعف الدولة العراقية واستمرار هشاشة المؤسسات العسكرية بسبب أشخاص متسلطين في السلطة ، كي تظل الدولة بحاجة دائمة للقوة الموازية أو بحاجة إلى “دولة داخل الدولة” ذاتها.

ولأجل صياغة إستراتيجية وطنية قادرة على تفكيك بنية هذا السلاح وتحرير الإرادة السياسية، يتوجب دعم القراءة الوطنية للمرجعية الدينية الرشيدة في النجف الأشرف، التي تؤكد دوماً على حصر السلاح بيد الدولة، وتفكيك الخطاب الطائفي ونبذ الطائفية وتجريم استخدام هذه الخطابات أو استغلال الرموز الدينية في التثقيف والتعبئة العسكرية.

إضافةً إلى ذلك ، يتوجب الإصلاح المؤسسي وحظر مزدوجي الولاء ، ولا سيما من يعلن صراحة أنه تابع لجهات خارجية ولا يعتز بوطنيته بل يتفاخر بأجندات غير عراقية. ويجب إنهاء التداخل في العقيدة العسكرية وبناء عقيدة قائمة على الولاء للوطن والدستور ولهذا الشعب العظيم.

إن الأفراد هم غالباً ضحايا لأفكار القادة؛ فبعضهم يُجبر وبعضهم يُرغم ، لذلك عند البدء بحل هذه الفصائل يجب استيعاب الراغبين بالخدمة العسكرية وفق ضوابط مهنية وطنية صارمة.

علينا أن لا ننسى أننا لا يجب أن نضحي بأوطاننا ونجعلها عرضةً للهلاك، حتى لا يستشهد الحسين مرةً أخرى من أجلها؛ ففي مقولة سيد الشهداء الحسين (عليه السلام) عندما قال: “إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً وإنما خرجت لإصلاح أمة جدي رسولالله”، أيقنتُ حينها أنَّ عدم إعارة المواطنين لأوطانهم أهميةً وحباً سيعرضها للظلم داخلياً أو خارجياً، وستتشكل عقدة الدونية فيها للأبد. لذلك فإن الاعتزاز بالهوية الوطنية وإعطاءها أولوية حتماً سيخلق حسيناً جديداً ، ولن يستشهد فيها حسينٌ آخر .

الباحث محمد علي

 

إرسال التعليق