(تأثير وسائل الإعلام في تشكيل مسارات الصراع والسلام)

(تأثير وسائل الإعلام في تشكيل مسارات الصراع والسلام)

أن وسائل الإعلام بمختلف أشكالها التقليدية والرقمية تُعد فاعلاً أساسياً في تشكيل الوعي الجمعي وتوجيه الرأي العام، ولا سيما في المجتمعات التي تشهد نزاعات أو تمر بمرحلة انتقالية نحو السلام. إذ تمتلك وسائل الإعلام القدرة على التأثير في الإدراك المجتمعي لطبيعة الصراع وأطرافه وأسبابه، كما يمكن أن تسهم في إعادة صياغة الخطاب العام بطريقة تعزز الحوار أو تؤجج الانقسام. وفي ظل الثورة الاتصالية الراهنة، أصبح الإعلام أحد أهم أدوات القوة الناعمة التي توظف لتحقيق أهداف سياسية واجتماعية.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن وسائل الإعلام يمكن أن تكون فاعلاً مؤثراً في مخرجات الصراع، إذ يُمكن لخطاب إعلامي موجه أو منحاز أن يُفاقم حالة الاستقطاب ويُعزز مشاعر العداء بين الجماعات المتنازعة. وفي المقابل، حين يتسم الخطاب الإعلامي بالموضوعية والمهنية، يمكن أن يؤدي دوراً جوهرياً في التخفيف من حدّة النزاعات من خلال نشر المعلومات الدقيقة، وإتاحة المجال أمام الأصوات المختلفة للحوار والتفاهم.

إنّ طبيعة تأثير الإعلام في مسارات الصراع والسلام لا تنبع من الرسائل الإعلامية فقط، بل تتأثر أيضاً بالبنية المؤسسية والتنظيمية لوسائل الإعلام، وبدرجة استقلاليتها عن مراكز النفوذ السياسي والاقتصادي. كما أن المسؤولية الأخلاقية للعاملين في الحقل الإعلامي تُعد عنصراً حاسماً في تحديد ما إذا كانت وسائل الإعلام تسهم في تصعيد الصراع أو في بناء بيئة مواتية للسلام المستدام.

حيث أظهر الصراع الأوكراني–الروسي الدور المركب للإعلام في تشكيل مسارات النزاع والسلام. فقد ساهمت وسائل الإعلام الروسية الرسمية في تصعيد النزاع من خلال تبني خطاب يبرر العمليات العسكرية ويصور أوكرانيا كتهديد للأمن القومي، في حين ركزت وسائل الإعلام الأوكرانية على الدفاع عن السيادة الوطنية وتعزيز الروح الوطنية، مما أدى إلى زيادة الاستقطاب الداخلي وتأثير الرأي العام الدولي. في المقابل، أتاح الإعلام المستقل والمنصات الرقمية نشر محتوى إنساني يسلط الضوء على معاناة المدنيين والمبادرات التضامنية، ما أسهم في خلق فضاء للحوار الإنساني، وتقليل حدة التوتر، ودفع المجتمع الدولي للضغط من أجل فتح ممرات إنسانية.

الباحثة عُلا محمد عبد الرضا

إرسال التعليق