(الفكر السياسي وواقع السياسة العملي.. بين اهمية الفكر و جدلية العلاقة و حدود التأثير)

تكمن الاشكالية العامة , في تحديد طبيعة العلاقة بين الفكر السياسي و الممارسة السياسية.. فقد اختلف الكُتاب والفلاسفة في تحديد طبيعة العلاقة و حدود التأثير بينهما, ففي البداية كان السؤال الفلسفي الابرز هل يصنع الفكر الواقع ام ان الفكر انعكاس لواقع ما؟ و مع تطور الفكر السياسي لدى الغرب حلت القيم النفعية محل القيم الاخلاقية فأصبح السؤال هل الفلسفة السياسية موجودة اصلاً لِتؤثر ؟ ثم اصبحت المشكلة الكبرى في أثبات ان للفكر دوراً في الحياة الانسانية فضلاً عن السياسية و التي تمثل محور تساؤلنا الاساسي..
يعتبر كارل ماركس “الواقع ” كأساس يكون الفكر فيه انعكاس لظروف مادية و اجتماعية ارتبط وعي الافراد فيها , اما هيجل يعتبر الواقع صنيعة الفكر فالتاريخ باكملة هو صنيعة تطور الافكار و مهمة الفيلسوف عقلنة الواقع.. فالقيم الانسانية مثل العدالة و الحرية و المساواة و الحق قد صنعت انظمة و دول.. و هنالك موقف ثالث يربط بين الرأيين حيث يعتبر الواقع منتج لفكر ما و الفكر يعود ليؤثر في هذا الواقع ( او العكس ) أي ان طبيعة العلاقة متبادلة.
لماذا ننشغل بالفكر السياسي ؟
– يجيب استاذ النظرية السياسية جلين تيندر عن هذا السؤال بوصفنا ننشغل بالفكر السياسي لان بعض الاسئلة لا اجابة لها دونه فمتى يكون لنا حق عصيان الحكومة و هل يمكن للحكومة ان تنتهك القوانين ان كان ذلك في مصلحة الامة ؟ “ان التفكير يتيح لنا تبين حقائق الحياة الجماعية مثل فكرة المساواة و التي تفتخر بها الولايات المتحدة الامريكية لم تكن لتوجد بهذا النسق لولا افكار جون لوك ” , يتوقف تمييز الحقائق على تمميز الذهن لها و الاهتمام بالمعرفة المنظمة وهذا امر لا يمكن ان نصل اليه دونما افكار
مع ذلك لم يسلم الفكر السياسي من سهام النقد و الذي قدمه واحد من ابرز نقاد النظرية السياسية الكلاسيكية و هو المُنظر السياسي الامريكي جون غونيل ففي” دليل اكسفورد للنظرية السياسية “يصف الفكر بانه ” مغتربً عن السياسة”..
ويرد باحثون اخرون في الدليل بتميز الفكر (بوحدة التزام التنظير و النقد و التشخيص) تجاه معايير العمل السياسي وممارساته و تنظيمه في الحاضر و الماضي , لا يرتبط الفكر السياسي فقط بالتاريخ لكونه تاريخ بل يوظف المبادئ السياسية في حقبة زمنية كقاعدة لتوجيه النقد الى الممارسة السياسية..
في الاصل لا يمكن فصل الفكر السياسي عن الممارسة العملية للسياسة
يؤكد الفيلسوف كانط في كتابه مشروع سلام دائم على ارتباط الاخلاق بالممارسة السياسية باعتبارها معياراً تُقيم الممارسة فيعرف الاخلاق باعتبارها ” علم العمل ” أي مجموعة القوانين المطلقة التي ينبغي ان نعمل بمقتضاها ” و لو كان الواقع يناقض العقل لوجب علينا ان نسلم بمحو الفكرة من الاخلاق بالتالي لا نستطيع عمل الواجب, ان الاخلاق تمثل الجانب النظري لما يمكن ان نسميه ممارسة سياسية فلا نزاع بين النظر و العمل و اذا حصل خلاف بينهما فهذا يعني ان العقل لم يبلغ من الاستنارة ما يجعله محيطاً بسلسلة العلل المقدرة و التي تمكنه من التبنؤ بعواقب الامور التي تخص الافعال الانسانية
مع ذلك يتم اتهام المفكرين السياسيين بالطوباوية فهم ينتقدون السياسيين حينما تؤدي تحرياتهم المحكومة بمثاليات المعايير العليا الى نتائج لا يمكن تطبيقها على ارض الواقع اما تيار اخرى يعتبر هذا النمط من التفكير هو قدرة على التفكير بطريقة تتخطى الحدود القائمة مع ذلك نال الاتجاه الاول منذ ارسطو تحدي المطالبة بالعمل ضمن مقاييس او معايير الممكن لان الكثيرون يرون ان النظرية السياسية تتقاعس عن هذا الدور فتكون مغتربة عن السياسة, مع ذلك يلاحظ العدد الكبير من المنظرين السياسيين الذين قادتهم اهتمامات الواقع للتنظير حول المشاكل المطروحة مثل ازمة الهوية الاوروبية و حقوق الانسان و الهجرة و الكوارث الطبيعية البيئية فهنالك انخراط سياسي كبير قوي في النظرية السياسية المعاصرة و هي تؤثر في تشكيل هذا الحقل
يؤكد العالم السياسي الفرنسي مارسيل بريلو على ان التعرف على ماضي المؤوسسات السياسية و الحياة السياسية و حاضرها غير ممكن الا عبر مفكرين سياسيين فقد عرضا افلاطون و ارسطو معالم دولة المدينة و انظمة الحكم فيها و مشكلاتها و صراعاتها و اسباب صعودها و تدهورها و انهيارها و كشف بوليب و شيشرون و سينيكا طبيعة الامبراطورية الرومانية و اساليب ادارتها و قدم بودان معلومات عن الدولة الوضعية الحديثة , و يجعل ذلك من دراسة الفكر السياسي شرطاً اساسياً لسيرورة الدول” لان الفكر يسبق التطبيق” مما يثبت ان الحياة الاجتماعية يمكنها صناعة فكر و تحديد خصائصه و هذه الافكار يمكنها التغلغل حينما تتوفر شروطها الموضوعية لتقبلها و استيعابها فالفكر قوة قاعلة و مؤثرة و كل ممارسة بلا فكر ليس لها جذور في الحاضر ولا امتداد للمستقبل
فيما يلي نماذج فكرية لمدى تأثير الفكر السياسي بواقع الممارسة السياسية ( سلباً و ايجاباً )
– ميكيافيلي و الاخلاق الجديدة : يمثل ميكيافيلي نموذج الفصل بين الممارسة السياسية و الاخلاق الفلسفية, أو يمكننا القول نشوء “اخلاق جديدة غير اخلاقية “, في كتابه ” الامير ” مثلاًينصح الحاكم حينما يتعامل مع خصومه ان يتخذ التدابير الازمة لارتكاب فضائعه فوراً لمرة واحدة دون تكرار و حينما يتعامل مع الشعب عليه ان يعطيهم المنافع قطرة قطرة حتى يحسوا بمذاقها
*هنا الفكر يوجه الممارسة السياسية ضمن سياق غير اخلاقي من الناحية الفلسفية و رغم ان مكيافيلي لم يحكم ولكنه بتعبير الكاتب الامريكي روبرت غرين فاز بالسلطة من خلال اعتناق الحكام أفكاره
– ارسطو و الاسكندر المقدوني : في اوقات اخرى لا يوفق المفكر او الفيلسوف بالتأثير بشكل كلي على من يمارس العمل السياسي , و هذا ما حدث بين ارسطو و الاسكندر المقدوني فهذا الاخير كان شرساً متأجج العواطف مصاب بالصرع لم ينجح الفيلسوف الكبير بترويضه رغم درجة الحب الكبيرة و الاعتراف الشهير ” ان كان ابي قد اتى بي الى هذه الدنيا ففقد علمني ارسطو فن الحياة فيها , رغم ان الاسكندر فتح العالم البربري بمباركة ارسطو الفكرية.
– الافكار العرقية-النازية كأصل لقيام حرب عالمية : تقوم فكرة الجنس الالماني باعتباره نوعية متفوقة , و نجد هذه الفكرة عند ريشار واغنر و في كتابات هوستون ستيورات شمبرلن الذي ظهر كتابة ” اسس القرن التاسع عشر 1899 ” كما سبق هذا الموضوع ان وجد عند ليست ” ان الجنس الجيرماني بكل تأكيد قد ندبته العناية الالهية بسبب طبيعته و بسبب ميزته ليحل هذه المشكلة الكبرى : ادارة شؤون العالم كله و تمدين البلدان المتوحشة و البربرية و اعمار الاراضي التي ماتزال غير مأهولة كما نجد في خطابات بسمارك اثر لهذه الافكار ” حينما تكون لكم قضية مع خصومكم السلافيين كونوا على قناعة دائما فانكم في الاساس اسيادهم و الى الأبد
وجه شبينغلر في عام 1920 رسالة الى المانيا يدعوا فيها الاشتراكيين القوميين للدفاع عن الحضارة الغربية امام باقي الاجناس العرقيةو تعتبر الاصول الفكرية لهتلر بحسب رأي الان بولوك تنطلق من الداروينية الخالصة فالمبادئ الاساسية في سياسته هي الكفاح و العرق و التفاوت و كلها تتناقض مع السلمية و الدولانية و الديموقراطية و قد قدمت نظريات عرقية سابقاً و خصوصاً من قبل غوبينو تحت على حاجة الشعب الالماني للمجال الضروري الحيوي لكي يعيش
-الفكر بين السلام و الحرب : نعم ان الفكر قد يطرح مشاريع للسلام كمشروع كانط, و في ذات الوقت قد يعتبر الحرب ضرورة بايلوجية لحسم الصراع, و هذا ما نظر له هيجل في كتابه ” اصول فلسفة الحق ” حينما اعتبر الحرب هي الحاسمة في عملية صراع و يجب ان لا ينظر لها كشر مطلق بل من خلال الحرب تحافظ الشعوب على صحتها الاخلاقية” ان الدول اذا ما اختلفت ولم يكن من المستطاع تحقيق الانسجام بين اراداتها الخاصة فأن النزاع لا يحسم بغير الحرب “و الحرب لاجل الافكار فهي في خدمة العقل و المعركة لاجل المبدأ و من ينتصر يمثل الفكر الحقيقي13
– الفكر السياسي و التوظيف السياسي : قد يوظف صناع القرار الفكر لكي يخدم مصالح سياسية معينة مثلما حول صموئيل هنتغتون محاولة فرض النموذج من نهاية تاريخ ناعمة الى صدامبين الحضارات بالقوة و شمل هذا الصدام الحضارة الاسلامية ( رغم عدم وجودها ككيان معاصر ) في محاولة لانشاء اعداء جدد مع الاخذ بعين الاعتبار المركزية التي تحكم تفكير الغرب و نظرته الجوهرانية القديمة الى الاشياء ( نحن – هم) و ذات هذا الامر يحدث مع الجماعات الارهابية التي توظف رؤية معينة للفكر الديني لتحقيق اهداف سياسية.
–دور الافكار في بلورة واقع سياسي متقدم : ساهمت افكار المفكرين بأنشاء المؤوسسات التمثيلية مثل البرلمان و تطويرها من خلال كتابات عديدة منها : جون لوك الذي دعى للمساواة و التسامح و الحرية الفردية و الحكومة التمثيلية, ايضاً ركز مونتسكيو على ضرورة التمييز بين السلطات و الفصل بينها اما روسو اكد على السيادة الشعبية و الارادة العامة , ان القيم الديموقراطية مثل الحرية و الكرامة و حقوق الانسان كانت خط مواجهة الاستبداد و النظم التسلطية
– الديموقراطية بوصفها قيماً فكرية : حتى الديموقراطية ذروة التقدم السياسي في المجتمعات المتقدمة يعتبرها روبرت دال في الاصل مجموعة قيم تتحول لمؤوسسات سياسية لا تغدوا اكثر من كونها تجسيداً للقيم
ختاماً : هل للفكر اهمية في عالم السياسة الواقعي ؟
-لا فهم لاي ظاهرة سياسية دون الرجوع للفكر السياسي فهو يساعد تفسير وتحليل السلوك السياسي للأفراد والجماعات والدول، من خلال دراسة الأفكار التي وضعها الفلاسفة والمفكرون عبر العصور.. فهو يتيح لنا فهم أسباب نشوء الأنظمة السياسية
– الفكر السياسي موجه للممارسة السياسية فيُعطي الفكر السياسي الأساس النظري الذي تعتمد عليه الأنظمة السياسية والحكومات في صياغة سياساتها العامة، واتخاذ قراراتها بما يحقق المصلحة العامة..فالممارسة السياسية من دون فكر تكون عشوائية وغير مستقرة وكيفية تطورها وتفاعلها مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي والاقتصادي
-لا تطور في النظم السياسية بشكل كامل دون فكر سياسي فهي المعيار الذي يقيم النظم السياسية القائمة، والكشف عن نقاط القوة والضعف فيها، وتقديم رؤى إصلاحية تهدف إلى بناء أنظمة أكثر عدلاً واستقراراً
-على صعيد المجتمع لا وعي سياسي دونما فكر سياسي يُعتبر الفكر السياسي أداة مهمة لرفع مستوى الوعي لدى المواطنين بحقوقهم وواجباتهم السياسية، مما يعزز المشاركة السياسية الفاعلة، ويقوّي الانتماء الوطني
– دون فكر سياسي لا يمكن تتبع تطور القيم والمفاهيم السياسيةمن خلال دراسة الفكر السياسي يمكننا تتبّع تطوّر المفاهيم الكبرى مثل الحرية، والعدالة، والمساواة، والديمقراطية، وفهم كيف تطورت عبر التاريخ وتأثرت بتجارب الأمم .
الباحث منتظر عبد الستار علوان عبد

إرسال التعليق