(قراءة في تاريخ الاستراتيجية الأميركية عبر الأمريكتين: تأكيد هيمنة أم تراجع!)

(قراءة في تاريخ الاستراتيجية الأميركية عبر الأمريكتين: تأكيد هيمنة أم تراجع!)

منذ بدايات تشكلها كقوة كبرى، أدركت الولايات المتحدة أن طريق الهيمنة العالمية يمر أولا عبر تثبيت نفوذها في الأمريكتين. فقد سعت إلى جعل القارتين بمثابة “فناء خلفي” مغلق أمام القوى الأوروبية، ومنطلق آمن لتوسيع حضورها في النظام الدولي.

#بدأ هذا المسار مع مبدأ مونرو عام 1823، الذي أعلن رفض أي تدخل أوروبي جديد في شؤون نصف الكرة الغربي، مقابل امتناع الولايات المتحدة عن التدخل في الصراعات الأوروبية. كان المبدأ في جوهره محاولة لترسيم مجال نفوذ إقليمي خاص بواشنطن، حتى وهي لا تزال في طور الصعود.

#مع أواخر القرن التاسع عشر، تحول هذا الإطار النظري إلى سياسة تدخل فعلية فقد شكلت حرب 1898 مع إسبانيا نقطة تحول، إذ خرجت الولايات المتحدة منها بسيطرة مباشرة أو غير مباشرة على كوبا وبورتوريكو وجزيرة غوام والفلبين، ما رسخ حضورها العسكري والبحري في الكاريبي والمحيط الهادئ، ومهد لتحولها إلى قوة استعمارية من نوع جديد.

#جاءت بعد ذلك إضافة روزفلت لمبدأ مونرو عام 1904، المعروفة بسياسة “العصا الغليظة”. فقد منحت هذه الإضافة واشنطن حقّ التدخل الوقائي في شؤون دول أميركا اللاتينية بحجة حماية الاستقرار ومنع التدخل الأوروبي. وفعليا استخدمت الولايات المتحدة هذا المبدأ لتكثيف تدخلاتها العسكرية والاقتصادية في دول مثل بنما ونيكاراغوا وجمهورية الدومينيكان وهايتي، معتمدة على “الدبلوماسية بالدولار” للسيطرة على الموارد والموانئ وخطوط الملاحة.

#أفضى هذا الترسخ الإقليمي إلى تعزيز القدرة الأميركية على التحرك خارج نصف الكرة الغربي. فعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، كانت الولايات المتحدة قد ضمنت إلى حد كبير أمنها القاري وحدودها البحرية، ما أتاح لها الدخول المتأخر في الحرب واستثمار نتائجها لتصبح أحد أركان النظام الدولي الجديد بعد 1918. وقد تعمق هذا الوضع أكثر بعد الحرب العالمية الثانية، عندما تحولت القواعد العسكرية في الكاريبي وأميركا اللاتينية إلى جزء من شبكة عالمية للانتشار العسكري الأميركي.

#خلال الحرب الباردة، ظلت الأمريكتان مسرحا أساسيا لصراع النفوذ بين واشنطن وموسكو. استخدمت الولايات المتحدة مزيجا من الانقلابات المدعومة، والتحالفات الأمنية، وبرامج المساعدات للحؤول دون سقوط دول المنطقة في المعسكر السوفييتي من غواتيمالا (1954) إلى تشيلي (1973)، مرورًا بأزمات كبرى مثل خليج الخنازير وأزمة الصواريخ الكوبية عام (1962). في تلك الفترة، كانت الهيمنة الأميركية على الأمريكتين إحدى ركائز قدرتها على إدارة التوازن العالمي.

#إلا أن دخول القرن الحادي والعشرين كشف عن تآكل نسبي في تلك الهيمنة. فقد صعدت قوى إقليمية جديدة في أميركا اللاتينية، كما بدأت قوى خارجية وعلى رأسها الصين في اختراق ما كان يُعتبر حكرا على النفوذ الأميركي، من خلال الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية والطاقة والتجارة، وتمددت روسيا عبر صفقات السلاح والتعاون الأمني، أضف إلى ذلك أن حروب الشرق الأوسط وأعباءها اشغلت واستنزفت جزءا مهما من الموارد الأميركية وأضعفت قدرتها على التركيز على “فناءها الخلفي”.

#في هذا السياق برز الحديث عن “مونرو جديد” او ما يسمى “مبدأ ترامب” وحسب وصف استراتيجية الامن القومي الأمريكي لعام 2025 في محاولة أميركية لاستعادة احتكار النفوذ في الأمريكتين، ولكن بأدوات أكثر خشونة. بلغت هذه الاستراتيجية ذروتها وتطبيقها الفعلي مع ما شهدناه بالأمس من عملية أميركية معقّدة داخل فنزويلا انتهت بـ(اعتقال) الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الحجز الأميركي في نيويورك لمواجهة تهم جنائية تتعلق بالإرهاب والمخدّرات.

#هل يمثّل اعتقال مادورو استرجاعا واثقاً للنفوذ الأميركي في الأمريكتين، أم أنه علامة على قوة تشعر بتآكل هيمنتها فتندفع إلى خطوات استثنائية لتعويض ما فقدته؟

#من زاوية أولى، يبدو الحدث استعراضا لقوة أميركية ما زالت قادرة على العمل خارج حدودها بكفاءة عالية. لكنه، من زاوية أعمق، يمكن قراءته بوصفه تعبيرا عن قلق استراتيجي: فلو كانت الهيمنة الأميركية في الأمريكتين غير مهددة، لما احتاجت واشنطن إلى كسر كل الأعراف الدبلوماسية والقانونية عبر (اعتقال) رئيس دولة حاكم واقتياده إلى محكمة في نيويورك.

#بهذا المعنى، قد يكون “مونرو الجديد” أقل تعبيرا عن ثقة بهيمنة راسخة، وأكثر دلالة على محاولة دفاعية عن موقع يتعرض للتآكل في عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب وتزايد أدوار الصين وروسيا وقوى إقليمية أخرى في الفناء الخلفي التقليدي للولايات المتحدة. وكما مثل مونرو عام 1823 بدايات الانطلاق، قد يمثل مونرو 2025 بدايات النكوص والتراجع.

الدكتور عادل البديوي

إرسال التعليق