(دور النخب والمنظومة السياسية في تعزيز وترسيخ المواطنة في العراق)

(دور النخب والمنظومة السياسية في تعزيز وترسيخ المواطنة في العراق)

الباحث محمد الربيعي

المقدمة:

يُعدّ مفهوم المواطنة واحداً من نتاجات مفكّري وفلاسفة عصر النهضة الأوروبي، الذي جاء كبادرة أمل لحل الإشكالات التي كانت تعاني منها المجتمعات في أوروبا. وفي السياق العراقي، فإن مفهوم المواطنة يُعدّ من المفاهيم الحديثة التي دخلت إلى العراق بعد سقوط النظام البائد عام 2003.

وعند تتبّع المسار التاريخي للمواطنة في العراق، ومع تباين الآراء بين الباحثين والمؤرخين حول جذور هذا المصطلح، فقد أرجعه بعضهم إلى دستور النظام الملكي في العراق لسنة (1925) وفقاً للمادة (6) من الباب الأول، بينما نسبه آخرون إلى العهد الجمهوري (1958) الذي حمل شعارات العدالة والمساواة. غير أن المواطنة تحوّلت في ذلك الوقت إلى مفهوم إقصائي في ظل الانقلابات التي شهدها العراق.

أما فكرة المواطنة التي طُرحت بعد التحوّل نحو النظام الديمقراطي في الدستور العراقي لسنة (2005)، فتُعدّ واحدة من أهم ركائزه ومبادئه الأساسية التي تُمكّن المواطن من الشعور بالانتماء والاعتزاز بهذا البلد. ورغم ذلك، فإنها ما تزال تواجه تحديات وعوائق كثيرة في نموها وترسيخها لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية.

فما هو دور الحكومة والنخب السياسية في تعزيز وتنمية المواطنة في العراق؟ وما الإشكاليات والمعوقات التي تواجهها؟ وما الحلول الواقعية لمعالجة هذه المعوقات؟

مفهوم وأهمية المواطنة:

تُعرَّف المواطنة بأنها المكان الذي يستقر فيه الفرد استقراراً ثابتاً داخل الدولة أو يحمل جنسيتها، ويكون مشاركاً في الحكم، ويخضع للقوانين الصادرة عنها، ويتمتع بشكل متساوٍ من دون أي نوع من التمييز مع بقية المواطنين بمجموعة من الحقوق، ويلتزم بأداء مجموعة من الواجبات تجاه الدولة التي ينتمي إليها.

كما تُعرّف حسب دائرة المعارف البريطانية بأنها علاقة بين الفرد والدولة كما يحددها قانون تلك الدولة، وبما تتضمنه من واجبات وحقوق متبادلة، متضمّنة مرتبة من الحرية مع ما يصاحبها من مسؤوليات.

إذن فهي الإطار القانوني المتبادل بين الفرد وموطنه من حيث الحقوق المترتبة على الدولة والواجبات التي يجب على الأفراد ممارستها تجاهها.

تكمن أهمية المواطنة في كونها تساعد على تحقيق روح الانتماء داخل المواطن، من خلال تغليب المصلحة العامة للدولة على المصالح الشخصية، وتعمل على دعم المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية، وحماية حقوق الأفراد، وتعزيز الهوية الوطنية على حساب الانتماءات الطائفية والعرقية، والمحافظة على السلم الأهلي والاستقرار.

دور المنظومة السياسية في تنمية المواطنة:

يمكن تقسيم الدور السياسي في تدعيم مفهوم المواطنة في العراق إلى ما يلي:

1. الدور التشريعي:

منذ إقرار الدستور العراقي لسنة (2005)، حرص المشرّع على إثرائه بمواد كثيرة لتدعيم المواطنة في البلد، فالمادة (14) تنص على عدم التمييز بين الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين، وأن العراقيين جميعاً متساوون أمام القانون. كما تنص المادة (16) على تكافؤ الفرص وعدم المحاباة بين المواطنين، وتنص المادة (15) على كفالة الدولة للمواطن بالحياة والأمن والحرية.

وعند التركيز على كلمة (الحرية) بما تحمله من قيمة كبيرة في النظم الديمقراطية الحديثة، فإنها تؤمن للمواطن حق التعبير عن الرأي والمشاركة السياسية والتظاهر السلمي والعيش الكريم.

ومن هنا يمكن للسلطة التشريعية أن تلعب دوراً بارزاً في تشريع القوانين التي تُعزز المواطنة لدى الأفراد، من خلال سنّ قوانين تكفل حرية التعبير، وحق التظاهر السلمي، والمشاركة في الانتخابات والترشيح.

وعلى الرغم من أن المواطنة بما فيها من حقوق وحريات قد حظيت باهتمام الدستور العراقي لعام (2005)، إذ أفرد لها باباً كاملاً من أبوابه الستة يتكون من (33) مادة وهي النسبة الأعلى في الدساتير العراقية، إلا أن النص على الحقوق والحريات لا يكفي، بل يجب أن تكون هناك تشريعات ضامنة لهذه الحقوق وتحديد سقف زمني لإقرارها، بدلاً من الاكتفاء بعبارة (يُنظَّم ذلك بقانون).

بالإضافة إلى ذلك، يتخذ البرلمان دوراً رقابياً مهماً لمتابعة السلطة التنفيذية في تنفيذ القوانين التي تُسهم في ترسيخ المواطنة، ومنع إساءة استخدام السلطة أو الموارد على حساب المواطن، من خلال فتح تحقيقات في شبهات الفساد أو مراقبة سوء الإدارة والإجراءات التعسفية التي قد تُقيّد حق التظاهر أو حرية التعبير.

2. الدور التنفيذي:

ويتمثّل بالأوامر والتوجيهات والقرارات التي يصدرها رئيس الحكومة إلى المؤسسات والوزارات والهيئات العامة في عملية تنفيذ القوانين الصادرة من مجلس النواب، مع الحرص على المساواة وعدم التمييز بين أفراد المجتمع، وتطبيق القانون على الجميع، والعمل على استتباب الأمن وسلامة المواطن، وتوفير فرص العمل بما يضمن الحياة الكريمة للفرد.

كما يتوجّب على السلطة التنفيذية منع الحروب الأهلية والطائفية والانقسامات الداخلية التي تهدّد وحدة البلاد، وتهيئة بيئة آمنة تمكّن المواطن من ممارسة حقه في الانتخاب والترشيح والمشاركة في صنع القرار السياسي.

ومن واجبات رئيس الحكومة في تدعيم المواطنة أيضاً وضع سياسات تعليمية واقتصادية وخدمية تعزز شعور المواطن بالانتماء، من خلال تطبيق قوانين الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية التي تُسهم في تحقيق العدالة الاجتماعية.

إشكاليات ومعوقات المواطنة في العراق:

إن الأحداث والتغيرات المتقلبة التي مرّ بها البلد بعد عام (2003) تسببت في ظهور صعوبات وعراقيل عديدة أمام ترسيخ مفهوم المواطنة، بسبب عدم وجود أرضية خصبة قادرة على تطبيق هذا المفهوم الحديث في ظل نظام سياسي جديد.

ويمكن تقسيم هذه الإشكاليات إلى نوعين:

1. أسباب مباشرة:

أ. إن ارتفاع معدلات البطالة بين خريجي الجامعات العراقية مع قلة الفرص المتاحة للتوظيف في المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة، ساهم في تدهور العلاقة بين الحكومة والمواطن، مما أضعف مفهوم المواطنة داخل البنية المجتمعية. كما أن استشراء الفساد واستخدام المحسوبية والطائفية في التوظيف، ولّد حالة من عدم الثقة داخل المجتمع، وأدى إلى احتجاجات مطالبة بتوفير فرص العمل.

ب. يُعدّ التظاهر أحد الحقوق المشروعة التي نص عليها الدستور العراقي، وإن استخدام العنف والقوة في فضّ الاحتجاجات يُعدّ من معوّقات نمو مفهوم المواطنة.

ج. ضعف الأمن والاستقرار والعجز عن حماية المواطن وممتلكاته يضعف من روح المواطنة وقد يؤدي إلى هجرات واسعة، كما حدث مع المكوّن المسيحي.

د. عدم تضمين فكرة المواطنة في المناهج الدراسية يُعدّ سبباً مباشراً في نشوء جيل لا يملك معرفة بحقوقه وواجباته تجاه بلده.

2. أسباب غير مباشرة:

تُعدّ الهوية الوطنية جوهر المواطنة الفاعلة، لكن العراق يعاني اليوم من أزمة هوية حقيقية، إذ تُقدَّم الهويات الفرعية على الهوية الجامعة؛ فالكردي يُقدّم قوميته، والشيعي يُقدّم طائفته، وهكذا باقي الفئات. كما يُقدّم الحزبي مصلحة حزبه على مصلحة الوطن.

وقد وصف الملك فيصل الأول هذه الحالة حين قال:

“أقول وقلبي ملآن أسى، إنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية خالية من أي فكرة وطنية، متشعبة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء، ميالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتفاض على أي حكومة كانت.”

ومهما كانت صحة هذا الوصف، إلا أنه يعكس حالة الانقسام الشديدة التي اعتاد فيها الفرد على إعلاء هويته الفرعية على الهوية الوطنية، مما طمس معاني المواطنة والانتماء، ورسّخ الموروثات العشائرية والقومية على حساب الوحدة المجتمعية.

وسائل معالجة إشكاليات المواطنة في العراق:

لتحقيق مجتمع تزدهر فيه قيم المواطنة الفاعلة، يجب العمل على إنشاء أساس متين يُغرس فيه حب الوطن واحترام القوانين، بدءاً من الأسرة التي تُعد نواة المجتمع، إذ تُسهم في تنشئة أطفال يتعلمون حب الوطن والانتماء إليه.

كما أن المدارس تلعب دوراً بارزاً في ترسيخ هذا المفهوم من خلال إدراج مادة المواطنة في المناهج الدراسية، وتنويع أساليب التعليم لتشمل البرامج التدريبية وورش العصف الذهني والزيارات الميدانية.

أما الجامعات، فلها دور مهم في رفع مستوى الوعي بالمواطنة، وقد أظهر بحث أُجري على طلبة جامعة بابل أن 85% من العينة يؤيدون أن عليهم واجبات تجاه وطنهم، مما يعكس فهماً عالياً لفكرة المواطنة.

بعد ذلك، يأتي دور الحكومة في تطبيق القوانين بعدالة، وتأمين فرص العمل، واحترام حقوق الإنسان، وضمان حرية التعبير والتظاهر السلمي، وتوفير الأمن والاستقرار للمجتمع.

الخاتمة:

تبقى المواطنة في العراق، رغم التحديات التي واجهها المجتمع لسنوات عديدة، مفهوماً مركزياً وضرورياً لبناء الدولة الحديثة. فقد أثّرت عوامل مثل البطالة والفساد والتهميش الاجتماعي في إضعاف قيم الانتماء والمسؤولية، مما قلّل من الثقة بين المواطن والدولة.

ومع ذلك، فإن إدراك المجتمع لأهمية المشاركة ودور المؤسسات في تعزيز الحقوق والواجبات يفتح الطريق أمام إعادة بناء هذا المفهوم.

إن تعزيز الوعي الوطني وضمان الشفافية يشكّلان الأساس لبناء مجتمع متماسك قادر على النهوض بالدولة وتحقيق التنمية.

فإن نجاح العراق في ترسيخ المواطنة لا يقتصر على الجانب القانوني والدستوري فقط، بل يتطلب جهوداً متواصلة لتنمية المشاركة المجتمعية وصقل مهارات المواطنة لدى الأجيال القادمة، ليصبح المواطن شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبله ومستقبل وطنه. 

إرسال التعليق