(دور المرجعية الدينية في تحصين المجتمع من التطرف العنيف: تجربة آية الله العظمى السيد علي السيستاني في العراق)

(دور المرجعية الدينية في تحصين المجتمع من التطرف العنيف: تجربة آية الله العظمى السيد علي السيستاني في العراق)
بعد عام 2003 شهد العراق مرحلة من التحولات العميقة على الصعيدين السياسي والأمني ما أدى إلى تفكك مؤسسات الدولة وتزايد الانقسامات المجتمعية وهو ما أوجد بيئة خصبة لنمو الجماعات المتطرفة وعلى رأسها تنظيم داعش. هذا التنظيم لم يهدد فقط الأمن القومي بل شكل خطرًا وجوديًا على وحدة النسيج الاجتماعي العراقي حيث سعى إلى استغلال الانقسامات الطائفية والمذهبية لتوسيع نفوذه. في خضم هذا الواقع المعقد برزت المرجعية الدينية العليا ممثلة بآية الله العظمى السيد علي السيستاني كعامل استقرار غير تقليدي متجاوزة دورها الروحي المعتاد لتصبح ركيزة وطنية قادرة على مواجهة التطرف العنيف وتحصين المجتمع العراقي من الانزلاق نحو العنف والفوضى.
لقد كان للفتوى التي أصدرها السيد السيستاني بشأن الجهاد الدفاعي أثرٌ بالغ على المستوى الوطني إذ وضعت أسسًا واضحة لمقاومة التنظيمات المسلحة مع التأكيد على أن يكون السلاح بيد الدولة فقط حماية للمدنيين ورفضًا لأي خطاب طائفي يمكن أن يقود المجتمع نحو حرب أهلية شاملة. هذا الموقف لم يكن مجرد قرار ديني بل استراتيجية عملية للتوجيه المجتمعي أسهمت في الحد من الانزلاق نحو الفوضى وتعزيز الشعور بالمسؤولية الوطنية بين مختلف المكونات العراقية. إن قدرة المرجعية على الجمع بين الشرعية الدينية والقيادة الأخلاقية جعلت منها قوة ناعمة تستطيع التأثير في السلوك الاجتماعي والسياسي دون اللجوء إلى العنف وهو ما يمثل نموذجًا فريدًا في سياق مكافحة التطرف.
تجاوز تأثير المرجعية المجال الأمني إلى أبعاد اجتماعية وسياسية بالغة الأهمية إذ لعب السيد السيستاني دورًا محوريًا في تهدئة التوترات الطائفية بين مختلف المكونات وتعزيز قيم التعايش والاحترام المتبادل وهو ما ساعد على إعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة بعد هزيمة التنظيمات المسلحة. كما ساهمت مواقفه المعتدلة في دعم مسارات الإصلاح السياسي وبناء مؤسسات الدولة مؤكدة أن المرجعية الدينية ليست عنصرًا روحانيًا فحسب بل شريكًا فاعلًا في بناء الاستقرار والمجتمع المدني. وقد تجلت قوة هذه المرجعية في قدرتها على توجيه المجتمع نحو التحرك الجماعي في مواجهة التحديات دون الانزلاق إلى الصراع الداخلي مما يعكس ذكاء استراتيجيًا نادرًا في التعامل مع التحديات المعقدة والمتشابكة.
تكمن القيمة الأكاديمية لهذه التجربة في أنها تقدم نموذجًا بديلًا لمقاربات مكافحة التطرف العنيف، يعتمد على توظيف الشرعية الدينية والنفوذ الاجتماعي والأخلاقي لدعم الاستقرار، بدلاً من الاعتماد الحصري على الأدوات العسكرية. هذا النموذج يوضح أن الخطاب الديني المعتدل عند توجيهه بشكل مسؤول، يمكن أن يصبح أداة فاعلة في تحصين المجتمع من خطاب التطرف وتعزيز السلم الأهلي والحفاظ على التماسك الاجتماعي والسياسي. إن تجربة السيد السيستاني تؤكد أن المرجعية الدينية عندما تمارس ضمن إطار من الاعتدال والمسؤولية الوطنية تستطيع أن تتحول إلى قوة محورية في حماية الدولة وتعزيز البناء المجتمعي وهو ما يجعلها مثالًا تحليليًا مهمًا للباحثين وصنّاع القرار في مجالات الأمن وبناء السلام.
في النهاية، تعكس تجربة السيد السيستاني كيف يمكن للمرجعية الدينية أن تتجاوز الدور التقليدي للفتوى والتوجيه الروحي لتصبح عنصرًا فاعلًا في تحصين المجتمع ضد التطرف والعنف وداعمًا للاستقرار السياسي والاجتماعي. هذا النموذج يبرهن على أن القيادة الأخلاقية والشرعية الدينية إذا توفرت لها الرؤية الوطنية والاعتدال تشكل أداة استراتيجية قادرة على مواجهة تحديات العصر وتحقيق التوازن بين السلطة المجتمع والاستقرار الوطني.
الدكتورة عذراء محمد عبدالرضا.



إرسال التعليق