ايران بعدالمرشد : هل سيسقط النظام ام يعيد انتاج نفسه ؟

تداولت مؤخراً الاوساط الاعلامية والكثير من المحللين والسياسيين داخل مراكز الابحاث الدولية ، ان ايران ستنهار بعد اغتيال المرشد الاعلى السيد الخامنئي ، الأ أن هذه التصورات قائمة على افتراض أن النظام في ايران هو قائم على حكم شخص واحد ونظام سلطوي لا يشارك احداً فيه بالحكم غير المرشد الاعلى ، الا ان هذا الافتراض تجاهل طبيعة النظام الايراني الذي تأسس بعد الثورة 1979
هنا يطرح السؤال الجوهري هل النظام الايراني فعلاً نظام حكم فردي شخصي ينهار بموت او اغتيال المرشد ؟
أن النظام القائم في ايران الذي نشهده اليوم لم يبنَ بكونه نظام حكماً فردياً مثل الدكتاتوريات التقليدية البسيطة التي تتمحور حول شخص الحاكم ، لكنه بالوقت ذاته ليس نظاماً ديمقراطيًا كاملاً ، بل هو نظام ايديولوجي مؤسساتي جرى فيه دمج العقيدة الدينية مع بنيان الدولة الدستوري والسياسي .
في هذا النظام لا تقتصر السلطة على شخصية المرشد الاعلى فحسب ، بل تتوزع ضمن شبكة من المؤسسات السياسية والدستورية التي تؤدي أدوارًا حاسمة في ادارة الدولة وضمان استمرارية النظام وتأتي تباعاً ، اولها مجلس خبراء القيادة ، هي هيئة دينية سياسية تتكون من رجال دين ( فقهاء شيعة ) يتم انتخابهم بأنتخابات عامة من قبل الشعب الايراني ، يبلغ عدد اعضائه 88 ،ومدة العضوية فيه 8 سنوات ، المهمة المركزية والاساسية للمجلس هي اختيار المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية ، وبمعنى اوضح يعتبر الجهة الدستورية الوحيدة التي تملك الشرعية بتعيين المرشد ، مع الدور الكبير الذي يلعبه مجلس خبراء القيادة برزت مؤسسة اخرى تمثل احد اهم الاعمدة المؤسسية في النظام السياسي ل ايران بعد الثورة ، دورها يتعدى كونها هيئة قانونية تقليدية ، بل تطور ليمثل الية ربط بين الشرعية الدينية والعملية السياسية داخل النطام ( مجلس صيانة الدستور ) أن المهمة الاولى للمجلس هي مراجعة القوانين التي تصدر من البرلمان، وأن جميع القوانين التي يقدمها مجلس الشورى الاسلامي تعرض على مجلس صيانة الدستور ، وهنا يعمل المجلس گ محكمة دستورية —دينية ، يقوم المجلس ايضاً بالاشراف على العملية الانتخابية في ايران وفحص اهلية المرشحين ، يتألف هذا المجلس من 12 عضوًا ، 6 منهم فقهاء دينيين يعينهم مباشرة المرشد الاعلى ، 6 قانونيين يرشحهم رئيس السلطة القضائية ويصادق عليها البرلمان .
أن النظام الايراني لديه آلية دستورية واضحة للخلافة في حال وفاة او غياب المرشد الاعلى ، تتم بمرحلتين .
المرحلة الاولى : ادارة مؤقتة للسلطة
حتى اختيار المرشد الجديد تنتقل الصلاحيات الى القيادة مؤقتاً الى مجلس قيادة مؤقت يتكون من ثلاث اشخاص ، رئيس الجمهورية ، رئيس السلطة القضائية ، احد فقهاء مجلس صيانة الدستور (هذه الهيئة تدير الدولة مؤقتاً لكنها لا تملك كامل صلاحيات المرشد )
المرحلة الثانية : اجتماع مجلس خبراء القيادة
يقوم مجلس خبراء القيادة بعقد جلسة طارئة لأختيار المرشد الجديد ، خلال الجلسة يتم مناقشة المرشحين ،تقييم شروط القيادة ، التصويت بالاغلبية لأختيار المرشد الاعلى .
وقد شهد النظام الإيراني بالفعل تجربة انتقال للقيادة بعد وفاة مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني عام 1989، حيث اجتمع مجلس خبراء القيادة بشكل عاجل واختار علي خامنئي مرشدًا أعلى للجمهورية الإسلامية. وقد مثّل ذلك الحدث أول اختبار حقيقي لقدرة النظام على إدارة انتقال السلطة، حيث جرت عملية الخلافة بسرعة نسبية ودون حدوث فراغ سياسي أو انهيار مؤسسات الدولة ،وهو ما يعزز فكرة أن النظام صُمم ليكون قادرًا على إعادة إنتاج قيادته في الظروف الاستثنائية .
الانظمة الأيدلوجية وقدرتها على الاستمرار ، لفهم سبب صمود النظام الايراني بعد غياب المرشد الاعلى ينبغي النظر الى طبيعة الانظمة الأيدلوجية ، هذه الانظمة لا تُبنى عادة حول شخصية فردية فحسب ، بل حول عقيدة سياسية وفكرية يتم دمجها في مؤسسات الدولة وهياكلها الدستورية ، ومع مرور الوقت تتحول هذه العقيدة الى اطار جمعي يحدد مسار النظام السياسي ويمنحه القدرة على الاستمرار حتى في حالات التغيير القيادي.
لقد شهد التاريخ السياسي الحديث أمثلة عديدة على أن الأنظمة الايديولوجية غالباً ما تكون اكثر قدرة على البقاء من الأنظمة الشخصية ، فحين توفي جوزيف ستالين في الاتحاد السوفييتي لم يؤد غياب الشخصية الاقوى في الدولة الى انهيار النظام الشيوعي ، بل استمرت الدولة لعقود طويلة بفضل البنية الحزبية والمؤسساتية التي كانت قائمة .
في هذا السياق يمكن فهم طبيعة النظام السياسي في ايران بوصفه نظاماً أيديولوجياً يستند الى مفهوم ولاية الفقيه الذي طرحه مؤسس الجمهورية الاسلامية اية الله الخميني بعد الثورة الايرانية ، وقد تم دمج هذه العقيدة داخل الدستور ومؤسسات الدولة بحيث اصبحت جزءًا من البنية السياسية للنظام وليس مجرد رؤية مرتبطة بشخص واحد .
الى جانب هذه المؤسسات الدستورية والدينية ، يظهر الحرس الثوري كعامل شديد الاهمية في استقرار النظام ، تأسس الحرس بعد الثورة الايرانية 1979 بوصفه قوة عقائدية عسكرية بأمر من اية الله الخميني ، هدفها الاساسي حماية الثورة الايرانية والنظام الجديد مع مرور الوقت تطور دورها ليتجاوز الاطار العسكري البحت ، ليصبح مؤسسة متعددة الأبعاد تمتلك نفوذاً سياسياً وامنياً واقتصادياً واسعاً داخل الدولة ، وفي حال حدوث فراغ في رأس السلطة فأن وجود مؤسسة قوية ومتماسكة مثل الحرس الثوري تشكل عاملاً للتوازن يمنع انهيار النظام ويضمن استمرار مؤسسات الدولة في أداء وظائفها الى حين استكمال آليات الخلافة الدستورية .
انطلاقاً من ذلك يمكن القول أن الافتراضات القائلة بأنهيار النظام الايراني بعد اغتيال المرشد تقوم الى حد كبير على قراءة مبسطة لطبيعة النظام ، وذلك لكون النظام الايراني لم يبنَ على اساس حكم فردي يعتمد على قائد واحد ، بل كمنظومة سياسية ايدلوجية تتداخل فيها المؤسسات الدستورية والدينية والعسكرية ، وتؤدي مؤسسات مثل مجلس خبراء القيادة ومجلس صيانة الدستور وحرس الثورة دوراً في ضمان استمرارية النظام ، ومع ذلك غياب المرشد الاعلى سواء كان بسب وفاة او اغتيال ، يمثل حدثاً سياسياً كبيراً يخلق حالة مؤقتة من الارتباك داخل النظام ، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة سقوط او انهيار النظام، فمثل هذه الانظمة السياسية لا يقاس استمرارها بوجود قادتها فحسب ، بل بقدرتها المؤسسية على الاستمرار واعادة تنظيم نفسها في الأزمات .
الباحث علي الساعدي



إرسال التعليق