(الانتخابات العراقية … إفراز قانون لا يسمح بولادة التغير)

(الانتخابات العراقية … إفراز قانون لا يسمح بولادة التغير)

كيف يمكن لانتخابات تُسمّى ديمقراطية، أن تُفرز الوجوه ذاتها في كل دورة انتخابية؟ وكيف يتحول صندوق الاقتراع من وسيلة للتغيير، إلى دائرة مغلقة تدور داخلها نفس القوى؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكمن في إرادة الشعب وحدها، بل في القانون الذي ينظم صوته ويحدد مصيره. منذ تعديل قانون الانتخابات واعتماد صيغة سانت ليغو 1.7 ، أصبح واضحاً أن الطريق إلى البرلمان لم يعد مفتوحاً أمام الجميع .فالقاسم الانتخابي المرتفع لم يكن مجرّد رقم فني، بل كان بوابة انتخابية صُممت بعناية لخدمة الأحزاب الكبرى وإقصاء المستقلين والمدنيين .فالقانون في جوهره لم يُفصل لخلق تمثيل عادل ، بل لفرض واقع سياسي متكرر يضمن بقاء السلطة بيد ذات الطبقة الحزبية. روج البعض أن هذا التعديل جاء لحماية الاستقرار السياسي ومنع تشتت البرلمان، لكن الواقع أثبت العكس تماماً .رفع القاسم الانتخابي حرم القوى الجديدة من فرصة الدخول إلى المنافسة، وألغى التنوع الذي كان يمكن أن يضخ دماء جديدة في المشهد . وهكذا تحوّل البرلمان إلى نادي مغلق للأحزاب التقليدية، يتجدد شكلاً كل دورة، لكنه يكرر المضمون ذاته. ان هذا النوع من القوانين لا يخلق ديمقراطية، بل يصنع تداولاً للوجوه داخل نفس المنظومة، ويجعل من الإصلاح شعاراً انتخابياً لا أكثر ، وفي ظل غياب الشفافية في التمويل والدعاية الانتخابية، باتت الانتخابات أقرب إلى عملية محسوبة النتائج مسبقا .

وعن غياب المدنيون.

إن أخطر ما في نتائج الانتخابات الأخيرة ليس فقط بقاء ذات الأحزاب في المشهد، بل الغياب التام لأي صوت مدني حقيقي .المدنيون لم يكونوا يوماً مشروع سلطة، بل مشروع وعي، ومجرد غيابهم عن البرلمان يعني خسارة البوصلة الأخلاقية والفكرية للعمل السياسيبرلمان بلا مدنيين هو برلمان بلا نقد، بلا تجديد، بلا رقابة على السلوك السياسي .حين يغيب صوت المثقف والمستقل، يتفرد أصحاب المال والنفوذ بتشكيل القرار العام، وثهمَش قضايا الشباب والعدالة الاجتماعية وحقوق المرأة والتعليم ، فالمدنيون لا يمثلون أنفسهم فقط، بل يمثلون ضمير المجتمع الحيّ، وإقصاوهم يعني أن السياسة فقدت بوصلتها الأخلاقية ، وان احدى أسباب خسارتهم في الانتخابات هو دخول المال السياسي الكبير للأحزاب التقليدية في انتخابات 2025 ، حيث قُدر المال المصروف للحملات الانتخابية في العراق لجميع الأحزاب ب ( ترليون ونصف دينار عراقي ) أي حوالي مليار دولار ! هذا غير رواتب مكاتب المرشحين والركائز ، ومن سعى الى شراء أصوات بمبالغ مالية ، إضافة الى ان اغلب رجال الاعمال الذين خاضوا هذه الانتخابات قد ادخل عمله في العملية الديمقراطية من خلال اجبار الموظفين على انتخابه او فقدانهم لعملهم ، ومن هنا فأن القطاع العام شبه متوقف للتعينات بسبب العجز في الموازنة ، ودعم القطاع الخاص ضئيل وان من يعمل به معرض الى فقدان عمله بسبب الضغط ، فالعملية الديمقراطية في العراق هي مقنعة ويمكن تسميتها ( الديموكتاتورية ) للتوائم مع الواقع الذي نعيشه .فحين يدرك المواطن أن صوته لا يُحدث فرقاً، تتراجع المشاركة، ويتحول الانتخاب إلى طقس بلا روح، أشبه بواجب شكلي لا يغيّر الواقع . وهذا ما نعيشه اليوم :إحباط عام وشعور بالعجز أمام منظومة انتخابية لا تكافئ الصدق، بل الخبرة في البقاء .إنها دائرة مغلقة من الإحباط والإعادة، تتجدد كل أربع سنوات بنفس الخطاب والنتيجة.حيث ان المتوقع من نتاج هذه الانتخابات هو عملية تصفية للخصوم وفق العمل السياسي ، وهذا ما كان يلوح به البعض اثناء ظهوره ، فالكثير منهم لا يملكون برنامج انتخابي حقيقي ، سوى التلويح بالتصفية ، وان الحكم والعمل بعقلية القبيلة سوف يؤدي الى تهالك في المنظومة السياسية بأكملها ،ان الإنجازات التي قامت بها الحكومة في الدورة السابقة ماهي الا حقوقاً اصيلة يجب ان يتمتع بها المواطن وليس برنامجاً حقيقيا ، و من يحمل المواطن ويتفاخر بأنه قد انجزه فأن هذا واجب من في السلطة وليس عمل إضافي يقوم به ، وبمقابل هذا فأن يستحصل على رواتب وحماية و مخصصات وحصانة ، وان قيمة المبالغ المصروفة للعمل في البنى التحتية ، تفوقها بشكل كبير ، أي ان هذه المبالغ خيالية وكبيرة لمثل هذه المشاريع البسيطة والتي يعتبرها البعض انجازاً تأريخياً ، فان ما نفقده في الحكومة والسلطة هو الشراكة الحقيقية في الداخل والشراكة الدولية الواضحة المعالم والرؤية الواضحة لمستقبل العراق وصناعة الهوية الحقيقية وليس الولاء والطاعة الى دول جوار وتنفيذ رؤيتهم ، فالعراق يتمتع بخصائص تختلف عن جواره وبشكل جذري ، لذلك فأن العمل الحقيقي في هذه الدورة لربما لن يحدث فرقاً بل انه استمرار لسابقها او لربما أسوأ ، ولربما سوف يحدث تعرقل كبير وقد يؤدي تصفية الخصوم سياسياً الى حدث انتخابات مبكرة بسبب الضغط الكبير المتوقع الذي سوف يحدث .

اما بالنسبة لطريق إلى التغيير

الصورة ليست قاتمة بالكامل فالتغيير لا يبدأ من القوانين فقط ، بل من الوعي الذي يصنعها .إذا امتلك الشارع العراقي إرادة الضغط الشعبي والإعلامي لتعديل هذا القانون ، وقوانين أخرى تحفظ حق المواطن .وتمكّن من إعادة صياغة مفهوم” التمثيل”، عندها فقط يمكن للانتخابات أن تعود إلى معناها الحقيقي. الديمقراطية لا تُمنح، بل تُنتزع بالوعي والموقف .والوعي يبدأ حين يدرك المواطن أن التغيير لا يأتي من” وجوه جديدة “داخل النظام القديم، بل من نظام جديد يفتح الباب لكل من يريد أن يخدم الوطن، لا أن يخدم نفسه.

الباحث عبدالقهار العاني

إرسال التعليق