(ملفات إبستين : تحول الشفافية إلى سلاح سياسي)

لم يكن سماح الرئيس دونالد ترامب لوزارة العدل بالإفراج عن وثائق جزيرة جيفري إبستين فعلَ شجاعة أخلاقية خالصة، ولا اندفاعا نحو الحقيقة المجردة، بل قرارا محسوبا بدقة في تقاطع حاد بين القانون والسياسة والنجاة الاستراتيجية.
فالسؤال الجوهري ليس: لماذا نُشرت الوثائق؟ بل: لماذا الآن؟ ولمصلحة من؟
أولا، يجب تثبيت الحقيقة الأساسية: ترامب لم يكن يملك ترف المنع. الإفراج جاء نتيجة مسار قانوني وضغط مؤسساتي متراكم، وأي محاولة لتعطيله كانت ستُقرأ فورا كاعتراف ضمني بالخوف أو التستر.
في السياسة الأمريكية، الامتناع عن الشفافية أخطر من مضمونها، خصوصا حين يكون الاسم حاضرا في الكواليس أصلا.
لكن ما يحول القرار من استجابة اضطرارية إلى مناورة ذكية، هو إدراك ترامب لفارق حاسم بين الذِكر والإدانة. وجود اسمه في الوثائق ، حتى الآن لا يرقى إلى اتهام جنائي، ولا ينهض عليه دليل قضائي. هذا الفراغ القانوني هو المساحة التي راهن عليها: أن يُغرق المجال العام بالملفات، فيتحول التركيز من اسمه الفردي إلى شبكة أوسع، وأكثر تشعّبا، وأشد إحراجا لخصومه السياسيين.
بهذا المعنى، لم تُفتح ملفات إبستين لتُغلق جراح الضحايا فقط، بل لتُغلق أيضا باب الابتزاز السياسي. لسنوات، شكلت هذه الوثائق ما يشبه “القنبلة المؤجّلة”؛ تُلوح بها النخب من اليسار الأميركي، وتُستثمر انتخابيا، ويُعاد تسخينها عند كل منعطف. الإفراج — ولو جزئيا — يسحب من هذه القنبلة قدرتها على التفجير الانتقائي، ويحولها إلى مادة استهلاك عام، تفقد مع الوقت قيمتها كسلاح.
استشرافيا، لا يُتوقع أن تُنهي هذه الخطوة القضية، بل أن تُغير شكلها. ستنتقل من ملف غامض قابل للتسريب إلى أرشيف مفتوح قابل للتأويل. الخطر الحقيقي على ترامب لم يكن في نشر الوثائق، بل في بقائها مغلقة؛ لأن الغموض في السياسة الأمريكية يُدان أكثر من الفضيحة المكتوبة.
في المحصلة، اختار ترامب أخف الضررين: أن يواجه العاصفة في العلن بدل أن يُتهم بصناعتها في الظل. وهنا تكمن المفارقة: الشفافية، حين تُفرض، قد لا تكون فعلَ أخلاقي … لكنها قد تكون أعلى درجات البراغماتية السياسية.
الدكتور أحمد الشيخلي



إرسال التعليق