(بين برميل النفط وجيل الشباب: الفرصة المهدورة في لعراق)

(بين برميل النفط وجيل الشباب: الفرصة المهدورة في لعراق)

 

في الوقت الذي تتصارع فيه القوى العالمية على موارد الطاقة، يغفل الكثيرون عن حقيقة أن أثمن احتياطيات العراق لا تقبع في جوف أرضه، بل في طموح أجياله. إن التحدي الأكبر الذي يواجه بلاد الرافدين اليوم ليس في تأمين أسعار النفط، بل في كيفية تحويل “الفيض الشبابي” من طاقة معطلة تبحث عن مخرج للهجرة، إلى محرك سيادي يقود الدولة نحو اقتصاد لا تكسره تقلبات الأسواق.

إن الثروة الحقيقية للأمم لا تُقاس بما تكتنزه أرضها من نفط أوموارد طبيعية قابلة للنضوب، بل بما يمتلكه شبابها من طاقات متجددة تمثل المحرك الأول والأساسي لأي نهضة مستدامة؛فالشباب هم “الذهب الحقيقي” بفضل قدرتهم الفطريةعلى التعلم ، وجرأتهم في قيادة التغيير، ومرونتهم العالية في التكيف مع  التحولات التكنولوجية المتسارعة التي باتت ترسم ملامح القوة في العصر الحديث.

وقد أثبتت تقارير الأمم المتحدة أن الاستثمار في العقل البشري عبر التعليم والابتكار والتشغيل يتفوق بمراحل على الاعتماد على الثروات التقليدية، حيث حققت الدول التي جعلت من تمكين الشباب أولويتها القصوى معدلات نمو اقتصاديأكثر صلابة واستقراراً اجتماعياً أمتن، مؤكدةً بذلك أن بناءالإنسان وتطوير مهاراته هو الضمانة الوحيدة لمستقبل لايرهنه تقلب  الأسواق أو نفاذ المخزونات. وفي العراق، حيث يشكّل الشباب ما يزيد على 60% من السكان دون سن الثلاثين،تتجلى هذه الحقيقة بوضوح، لكنّها تصطدم بتحديات بنيويةوسياسية واقتصادية حالت دون تحويل هذه الكتلةالديموغرافية إلى قوة منتجة وفاعلة.

في المشهد العراقي تحديداً، يتجلى بوضوح أن الشباب هم القوة الدافعة التي تتفوق في قيمتها على كل الثروات الريعية،فقد تصدروا الواجهة الاجتماعية والسياسية، كما رأينا في احتجاجات تشرين 2019، ليثبتوا للعالم أنهم يمتلكون وعياً مدنياً متقدماً يتجاوز لغة الأرقام والميزانيات، مطالبين بعدالة اجتماعية حقيقية وفرص عمل تُثمن إبداعهم، مع إصرار على استئصال جذور الفساد الذي يهدر موارد البلاد. ومع ذلك، فإن غياب السياسات الاستراتيجية لاحتواء هذه الطاقات الجبارة حوّل هذا الزخم الوطني إلى خيبات متراكمة؛ فبدلاً من أن يكون “النفط” وسيلة لتمكين هؤلاء الشباب، أصبح غياب التخطيط سبباً في هجرة آلاف العقول سنوياً بحثاً عن وطن يقدر قيمتهم، مما يمثل استنزافاً لثروة العراق البشرية التي لا يمكن تعويضها بمليارات البراميل، إذ إن رحيل الشاب المبدع هو خسارة للمستقبل نفسه، وهي تكلفة تفوق بكثير أي خسائر اقتصادية أخرى.

وعلى صعيد البنية الاقتصادية، يبرز الاعتماد المفرط على النفط كعائق جوهري يكبل طاقات الشباب بدلاً من إطلاقها؛ فالاقتصاد العراقي لا يزال أسيراً لنمط ريعي تُشكل فيه الإيرادات النفطية أكثر من 90% من موارد الدولة، مما حوّلها إلى دولة “راعية” تستهلك الثروة ولا تنتجها.

هذا التكريس للريع النفطي رسّخ ثقافة انتظار التوظيف الحكومي وقتل روح المبادرة الفردية والقطاع الخاص، مما جعل “الطاقة البشرية” معطلة خلف قضبان البيروقراطية. ونتيجة لهذا الارتهان لأسعار النفط وتقلباتها، دفع الشباب الضريبة الأكبر، حيث ارتفعت معدلات البطالة بينهم لتتجاوز 25% وفق بعض التقديرات، ليجد آلاف الخريجين أنفسهم سنوياً أمام مفارقة مؤلمة: أنهم يعيشون في بلد يعوم على بحار من النفط، لكنه يفتقر إلى الرؤية التي تحول هذه الثروة المادية إلى فرص عمل حقيقية تستثمر في “الثروة الأهم” وهم الشباب.  

تتجلى فجوة التخطيط حينما نصطدم بالواقع الرقمي الذي يكشف حجم الهدر في أثمن موارد العراق؛ إذ يتدفق سنوياً أكثر من 700 ألف شاب إلى سوق العمل ليصطدموا بفرص محدودة لا تستوعب طموحهم، وفي ظل انخفاض نسبة العاملين في القطاع الخاص، يظل الاقتصاد الوطني رهينةً للوظيفة الحكومية المترهلة التي عجزت عن الاستيعاب، مما يفاقم الأزمة نتيجة ضعف الاستثمار في التعليم التقني والمهني الذي يمثل “العمود الفقري” لاقتصادات العالم الحديث. ولتحويل هؤلاء الشباب من ثروة “معطلة” إلى قوة “فعلية” تتفوق قيمتها على النفط، لا بد من الانتقال من إدارة الريع إلى قيادة التنمية عبر ثورة في المفاهيم، تبدأ بتحطيم قيود التبعية للنفط من خلال تنويع الاقتصاد ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة كبديل للدخل القومي، وجسر الفجوة المعرفية بربط المناهج بمتطلبات السوق الفعلية، وصولاً إلى التمكين السياسي والقيادي بإشراك الشباب في صنع القرار لضمان صياغة سياسات تشبه تطلعاتهم، واحتضان المستقبل عبر دعم الابتكارات التكنولوجية والمبادرات الثقافية، بما يضمن تحويل العراق إلى بيئة حاضنة للمبدعين والمفكرين بدلاً من كونه مجرد مستهلك للتقنية.

إن الشباب في العراق ليسوا مجرد أرقام في قوائم البطالة أو عبئاً ديموغرافياً يثقل كاهل الميزانية، بل هم الفرصة التاريخية الأثمن والذهب الحقيقي الذي لا ينضب. إن تحويل هذا الزخم البشري إلى قوة منتجة ومحركة للنهضة يتطلب إرادة سياسية شجاعة، وإصلاحاً اقتصادياً بنيوياً، ورؤية وطنية راسخة تؤمن يقيناً بأن براميل النفط قد تنفد يوماً، لكن عقول الشباب هي المورد السيادي الذي لا يتوقف عن العطاء؛ فبرهاننا الحقيقي ليس على ما تكتنزه باطن الأرض، بل على ما يحمله جيل الشباب من إرادة، فالاستثمار في الإنسان هو الطريق الأقصر، والأكثر كرامة، لبناء دولة تليق بتاريخ العراق وطموح أبنائه.

 

 الدكتور سعد سلوم 

إرسال التعليق