(المرأة بين الوعي السياسي ومتطلبات المنافسة الانتخابية في العراق)

المقدمة
تمثّل المشاركة السياسية للمرأة إحدى الركائز الأساسية في بناء الأنظمة الديمقراطية الحديثة، إذ لا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية السياسية دون حضور فاعل للنساء في مراكز صنع القرار. وفي العراق، برزت قضية تمكين المرأة سياسياً بعد عام 2003 حين أقرّ الدستور مبدأ تخصيص ما لا يقل عن 25% من مقاعد مجلس النواب للنساء. هذا التحوّل شكّل خطوة نوعية نحو إشراك المرأة في العملية الانتخابية، سواء ناخبةً أو مرشحةً، غير أنّ الواقع العملي كشف عن فجوة بين الوعي السياسي المتنامي لدى النساء وبين القدرة الفعلية على خوض المنافسة الانتخابية وتحقيق النفوذ السياسي الحقيقي.
تهدف هذه الورقة إلى تحليل العلاقة بين مستوى وعي المرأة السياسي في العراق ومتطلبات المنافسة الانتخابية، عبر دراسة أبرز المعوقات البنيوية والثقافية والاقتصادية التي تحدّ من فاعلية تمثيلها، وتسليط الضوء على التطورات التي رافقت الانتخابات العراقية في السنوات الأخيرة.
أولاً: تطور المشاركة السياسية للمرأة في العراق
شهدت الساحة العراقية منذ عام 2003 تحولات كبيرة في وضع المرأة السياسي، إذ انتقلت من مرحلة التمثيل الرمزي المحدود إلى مرحلة الحضور العددي المضمون عبر نظام الكوتا النسوية. فقد نصّت المادة (49) من الدستور على أن لا تقل نسبة تمثيل النساء في مجلس النواب عن الربع، ما مكّن العديد من النساء من الوصول إلى البرلمان والمجالس المحلية.
وقد بيّنت نتائج انتخابات عام 2021 أنّ النساء حقّقن حضوراً ملحوظاً، إذ فازت نحو 95 مرشحة بمقاعد نيابية، وهو رقم تجاوز النسبة المخصصة لهنّ في بعض الدوائر. هذا التطور العددي يعكس تقدّماً في الوعي الانتخابي لدى الناخبين والناخبات، إلا أنه لم يُترجم بالكامل إلى تمكين نوعي أو نفوذ مؤسسي داخل الهيئات التشريعية أو التنفيذية.
ثانياً: الوعي السياسي للمرأة العراقية
يتزايد وعي المرأة العراقية بالشأن العام تدريجياً بفعل انتشار التعليم، ودور منظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام الحديثة. وقد أسهمت الحملات الوطنية في تعزيز ثقافة المشاركة السياسية، وتوضيح أهمية التصويت الواعي واختيار البرامج لا الأسماء.
إلا أن هذا الوعي لا يزال يواجه عدة قيود:
1. البيئة الاجتماعية التقليدية التي تقيّد تحرّك المرأة السياسي في بعض المحافظات ذات البنية العشائرية المحافظة.
2. الضغوط الأسرية والمجتمعية التي قد تمنع المرأة من الظهور الإعلامي أو إدارة الحملات الانتخابية بحرية.
3. غياب التدريب السياسي المنهجي في المدارس والجامعات، ما يؤدي إلى ضعف في الثقافة الديمقراطية والقدرة على النقاش العام.
إنّ وعي المرأة السياسي يشكّل قاعدة أساسية لأي مشاركة فعالة، لكنه يحتاج إلى بيئة تمكينية تترجم هذا الوعي إلى سلوك انتخابي ومنافسة واقعية.
ثالثاً: متطلبات المنافسة الانتخابية
تتطلب المنافسة الانتخابية في العراق مجموعة من الشروط التي غالباً ما تكون خارج متناول المرشحات، منها:
1. التمويل المالي والإعلامي:
الحملات الانتخابية تحتاج إلى موارد مالية ضخمة، وشبكات دعم حزبية، ورعاية إعلامية مستمرة. أغلب المرشحات يفتقرن لهذه الأدوات، ما يجعلهن يعتمدن على التمويل الشخصي المحدود أو الدعم الرمزي من الأحزاب.
2. الدعم الحزبي والسياسي:
غالبية الأحزاب العراقية ما تزال تُدار بعقلية ذكورية تُقصي المرأة عن مواقع القرار، وتستخدم المرشحات أحياناً كعنصر تكميلي لضمان الكوتا فقط، دون تمكين حقيقي أو إشراك فعلي في رسم الاستراتيجيات.
3. الأمن والبيئة الانتخابية:
ما تزال التهديدات والابتزازات الإلكترونية والعنف الانتخابي تمثل عائقاً حقيقياً أمام مشاركة النساء، خصوصاً في المحافظات الجنوبية والشمالية. ضعف الحماية القانونية يجعل من الصعب على المرأة الاستمرار في المنافسة الميدانية.
4. الخطاب الانتخابي:
أغلب المرشحات يواجهن تحدياً في إيصال خطاب سياسي مقنع بسبب قلة التدريب في مجالات التواصل العام، والمناظرات، والتسويق السياسي، مما يقلّل فرص وصولهن إلى الناخبين بفعالية.
رابعاً: المرأة ناخبة ومرشحة
تشير الدراسات إلى أنّ نسبة مشاركة النساء كناخبات في الانتخابات العراقية تتجاوز في بعض الدورات 45%، ما يعكس استعداداً مجتمعياً للمشاركة. إلا أن نمط التصويت لا يزال يتأثر بالعلاقات القبلية أو الطائفية أكثر من البرامج الانتخابية، مما يحدّ من فاعلية الصوت النسوي في دعم المرشحات.
أما على مستوى الترشّح، فقد أظهرت البيانات أن عدداً من النساء نجحن في تحقيق حضور لافت بفضل اعتمادهن على برامج واقعية وتمثيل مصالح فئات مهمّشة، لا سيّما في مجالات التعليم والخدمات والعدالة الاجتماعية، ما يشير إلى إمكان تطوّر التجربة النسوية إذا توفرت بيئة دعم مؤسسية مستدامة.
خامساً: سُبل تعزيز المشاركة النسوية الفاعلة
لضمان مشاركة نسوية حقيقية في الحياة السياسية، يمكن اعتماد جملة من الإجراءات العملية، أبرزها:
1. تعزيز التعليم السياسي للنساء من خلال مناهج وبرامج تدريبية متخصصة في القيادة والإدارة العامة.
2. إصلاح البنى الحزبية لضمان إدماج النساء في المراتب التنظيمية العليا.
3. توفير دعم مالي وإعلامي رسمي للمرشحات على غرار ما تطبّقه بعض الدول الديمقراطية في تمويل الحملات النسوية.
4. تطوير التشريعات الانتخابية لتمنح المرأة حماية قانونية كاملة من التهديدات والعنف الانتخابي.
5. إطلاق حملات توعية مجتمعية تغيّر النظرة النمطية لدور المرأة السياسي وتؤكد أهميته في بناء الدولة الديمقراطية.
الخاتمة
إنّ حضور المرأة العراقية في الحياة السياسية لم يعد مجرد مطلب اجتماعي، بل أصبح مؤشراً على نضج التجربة الديمقراطية في البلاد. ومع تزايد وعي النساء بحقوقهن السياسية، يبرز التحدي الأكبر في تحويل هذا الوعي إلى قوة انتخابية فاعلة تتجاوز حدود الكوتا نحو المشاركة الحقيقية في صنع القرار.
تحقيق ذلك يتطلّب إرادة سياسية، ودعماً مجتمعياً، وإصلاحاً في الثقافة الانتخابية السائدة، بحيث تُعامل المرأة بوصفها شريكاً في التنمية السياسية لا مجرّد رقم في التمثيل البرلماني. وعندها فقط يمكن القول إنّ الوعي السياسي النسوي في العراق قد انتقل من مرحلة الإدراك إلى مرحلة التأثير.
الدكتورة عذراء محمد عبد الرضا
إرسال التعليق