(ازمة النفط و توقف التصدير : حين تصبح الأزمات الإقليمية اختباراً لفشل التخطيط في الداخل)

(ازمة النفط و توقف التصدير : حين تصبح الأزمات الإقليمية اختباراً لفشل التخطيط في الداخل)

منذ أيام لم يعد الحديث عن إغلاق مضيق هرمز مجرد تحليل سياسي أو احتمال بعيد. المضيق مغلق فعلياً نتيجة الحرب المتصاعدة في المنطقة، وحركة ناقلات النفط فيه شبه متوقفة بعد التصعيد العسكري بين إيران والولايات المتحدة. هذا الممر البحري الضيق يمر عبره نحو 20٪ من تجارة النفط العالمية ، لكن بالنسبة للعراق لا يمثل مجرد ممر دولي، بل شرياناً اقتصادياً يكاد يكون الوحيد.

الأزمة الحالية لم تأتِ من فراغ. فالتصعيد بدأ بعد سلسلة ضربات واغتيالات وعمليات عسكرية متبادلة بين واشنطن وطهران، ومع تشدد المواقف السياسية. المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي تحدث أكثر من مرة عن أن أمن الخليج مرتبط بالحرب الدائرة، بينما تشير دوائر سياسية إلى أن نجله مجتبى خامنئي لا يرى فتح المضيق أولوية في ظل استمرار المواجهة. في المقابل شدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن استمرار الحرب مع إيران والقضاء على نفوذها أهم من استقرار الممرات البحرية.

وسط هذا الصراع الكبير يقف العراق في موقع المتضرر. فخلال عشرين عاماً ربطت الحكومات العراقية اقتصاد البلاد بالكامل تقريباً بهذا الممر البحري. قبل الأزمة كان العراق يصدر نحو 3.6 مليون برميل نفط يومياً، معظمها من موانئ البصرة عبر الخليج العربي ثم مضيق هرمز إلى الأسواق العالمية. هذه الصادرات كانت تدر على خزينة الدولة ما يقارب 6 إلى 7 مليارات دولار شهرياً.

اليوم، ومع توقف حركة التصدير عبر المضيق، بدأت الحكومة تخفض الإنتاج لأن النفط ببساطة لا يمكن تصديره بالكميات المعتادة. وهذا يعني أن المصدر شبه الوحيد لتمويل الدولة العراقية قد تعطل.

المشكلة أن الاقتصاد العراقي يعتمد على النفط في أكثر من 90٪ من إيرادات الدولة. لذلك فإن توقف النفط لا يعني خسارة تجارية فقط، بل يعني عملياً توقف الدولة نفسها عن العمل.

في العراق لا تقوم الدولة على الصناعة أو الزراعة أو الاستثمار الحقيقي، بل على الرواتب. الأرقام الرسمية تشير إلى أن الحكومة تدفع سنوياً نحو 55 تريليون دينار رواتب للموظفين، وقرابة 17 تريليون دينار للمتقاعدين، إضافة إلى أكثر من 5 تريليونات دينار للرعاية الاجتماعية. أي أن عشرات الملايين من العراقيين يعيشون بشكل مباشر أو غير مباشر على أموال النفط.

عندما يتوقف النفط تبدأ الأزمة فوراً. ولهذا حذر مسؤولون حكوميون من أن استمرار إغلاق المضيق قد يجبر العراق على الاقتراض فقط من أجل دفع الرواتب. عندها لن تكون الأزمة مجرد أزمة طاقة أو تجارة، بل أزمة بقاء اقتصادي للدولة.

لكن الحقيقة القاسية أن هذه الأزمة لم تصنعها الحرب وحدها. جزء كبير منها صنعته القرارات السياسية الخاطئة منذ عام 2003. خلال عقدين كاملين لم تنجح الحكومات المتعاقبة في بناء طرق بديلة لتصدير النفط. مشاريع مثل خط أنابيب البصرة – العقبة أو تطوير خط كركوك – جيهان أو فتح ممرات جديدة عبر سوريا وتركيا بقيت كلها مشاريع معلقة بسبب الخلافات السياسية والفساد وضعف القرار.

النتيجة أن نحو 94٪ من صادرات العراق النفطية تمر عبر الخليج العربي ومضيق هرمز. أي أن اقتصاد بلد كامل أصبح مرتبطاً بممر بحري واحد. وهذا ليس مجرد خلل اقتصادي، بل خطأ استراتيجي فادح.

وفي خضم الأزمة ظهرت مشكلة أخرى. فقد طلبت الحكومة العراقية إعادة تشغيل خط تصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي، لكن حكومة إقليم كردستان رفضت الطلب ووضعت شروطاً سياسية. هذا الخط وحده كان يمكن أن يعيد تصدير نحو 300 ألف برميل يومياً على الأقل. مرة أخرى يتحول النفط العراقي من ثروة وطنية إلى أداة صراع سياسي داخلي.

أما المواطن العراقي فهو أول من يدفع الثمن. مع تراجع الإيرادات بدأت آثار الأزمة تظهر بسرعة: ارتفاع أسعار الوقود، أزمة محتملة في الغاز، زيادة الرسوم والضرائب، ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وفرض ضرائب إضافية على خدمات مثل الإنترنت والطاقة. هذه الإجراءات غالباً ما تكون الحل الأسهل لأي حكومة تعاني من نقص الأموال: تحميل المواطن ثمن الفشل السياسي والاقتصادي.

المفارقة أن العالم يعيش حالياً أزمة طاقة، وأسعار النفط تجاوزت 100 دولار للبرميل بسبب الحرب. دول كثيرة ستربح من هذا الارتفاع. لكن العراق، رغم امتلاكه أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، قد يخسر ببساطة لأن النفط موجود… لكن طريق خروجه إلى العالم مغلق.

الحل الحقيقي لا يكمن في انتظار نهاية الحرب بين إيران والولايات المتحدة، بل في تغيير طريقة إدارة الاقتصاد العراقي. العراق يحتاج إلى بناء شبكة أنابيب تصدير متعددة نحو تركيا والأردن والبحر المتوسط، وإنشاء صندوق سيادي يحمي الاقتصاد من صدمات النفط، وتقليل الاعتماد المفرط على الرواتب الحكومية، والأهم تحييد البلاد عن صراعات المنطقة التي تدفعه إليها الفصائل المسلحة.

بدون هذه الخطوات سيبقى العراق دولة غنية بالنفط… لكن اقتصادها يمكن أن ينهار كلما اشتعلت حرب في المنطقة أو أغلق ممر بحري اسمه مضيق هرمز .

الباحث محمد الميساني

إرسال التعليق